فصل: هَلْ يُقَدّمُ أَقَارِبُ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْحَضَانَةِ؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.ذِكْرُ الْحُكْمِ الّذِي حَكَمَ بِهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي الْجَمَاعَةِ الّذِينَ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ:

ثُمّ تَنَازَعُوا الْوَلَدَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ ثُمّ بَلَغَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضَحِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَالنّسَائِيّ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيُمْنِ فَقَالَ إنّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عَلِيّا يَخْتَصِمُونَ إلَيْهِ فِي وَلَدٍ قَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لِاثْنَيْن: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا ثُمّ قَالَ لِاثْنَيْنِ طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا ثُمّ قَالَ لِاثْنَيْنِ طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا فَقَالَ أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ إنّي مُقْرِعٌ بَيْنَكُمْ فَمَنْ قُرِعَ فَلَهُ الْوَلَدُ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلْثَا الدّيَةِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرِعَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أَوْ نَوَاجِذُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْكِنْدِيّ الْأَجْلَحُ وَلَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنّسَائِيّ بِإِسْنَادِ كُلّهُمْ ثِقَاتٌ إلَى عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. قَالَ أُتِيَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا حَتّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا فَجَعَلَ كُلّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالَا: لَا فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِاَلّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلْثَيْ الدّيَةِ قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَقَدْ أُعِلّ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ بِإِسْقَاطِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَيَكُونُ مُرْسَلًا. قَالَ النّسَائِيّ: وَهَذَا أَصْوَبُ. وَهَذَا أَعْجَبُ فَإِنّ إسْقَاطَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَجْعَلُهُ مُرْسَلًا فَإِنّ عَبْدَ خَيْرٍ أَدْرَكَ عَلِيّا وَسَمِعَ مِنْهُ وَعَلِيّ صَاحِبُ الْقِصّةِ فَهَبْ أَنّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي السّنَدِ فَمِنْ أَيْنَ يَجِيءُ الْإِرْسَالُ إلّا أَنْ يُقَالَ عَبْدُ خَيْرٍ لَمْ يُشَاهِدْ ضِحْكَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلِيّ إذْ ذَاكَ كَانَ بِالْيَمَنِ وَإِنّمَا شَاهَدَ ضِحْكَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الصّحَابَةِ وَعَبْدُ خَيْرٍ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ شَاهَدَ ضَحِكَهُ فَصَارَ الْحَدِيثُ بِهِ مُرْسَلًا. فَيُقَالُ إذًا: قَدْ صَحّ السّنَدُ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مُتّصِلًا فَمَنْ رَجّحَ الِاتّصَالَ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً مِنْ الثّقَةِ فَظَاهِرٌ وَمَنْ رَجّحَ رِوَايَةَ الْأَحْفَظِ وَالْأَضْبَطِ وَكَانَ التّرْجِيحُ مِنْ جَانِبِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِيّ قَدْ أَخْبَرَهُ تَكُونَ مُرْسَلَةً وَقَدْ يَقْوَى الْحَدِيثُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُتّصِلًا.

.اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ عَلِيّ:

وَبَعْدُ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَذَهَبَ إلَيْهِ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ هُوَ السّنّةُ فِي دَعْوَى الْوَلَدِ وَكَانَ الشّافِعِيّ يَقُولُ بِهِ فِي الْقَدِيمِ وَأَمّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَسُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَرَجّحَ عَلَيْهِ حَدِيثَ الْقَافَةِ وَقَالَ حَدِيثُ الْقَافَةِ أَحَبّ إلَيّ. وَهَاهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْقُرْعَةِ فِي النّسَبِ وَالثّانِي: تَغْرِيمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ثُلْثَيْ دِيَةِ وَلَدِهِ لِصَاحِبَيْهِ. وَأَمّا الْقُرْعَةُ فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ فُقْدَانِ مُرَجّحٍ سِوَاهَا مِنْ بَيّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَافَةٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقّ بِالْقُرْعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إذْ هِيَ غَايَةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ تَرْجِيحِ الدّعْوَى وَلَهَا دُخُولٌ فِي دَعْوَى الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ الّتِي لَا تَثْبُتُ بِقَرِينَةٍ وَلَا أَمَارَةٍ فَدُخُولُهَا فِي النّسَبِ الّذِي يَثْبُتُ بِمُجَرّدِ الشّبَهِ الْخَفِيّ الْمُسْتَنِدِ إلَى قَوْلِ الْقَائِفِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَأَمّا أَمْرُ الدّيَةِ فَمُشْكِلٌ جِدّا فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمُوجِبِ الدّيَةِ وَإِنّمَا هُوَ تَفْوِيتُ نَسَبِهِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ فَيُقَالُ وَطْءُ كُلّ وَاحِدٍ صَالِحٌ لِجَعْلِ الْوَلَدِ لَهُ فَقَدْ فَوّتَهُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِوَطْئِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَحَقّقْ مَنْ كَانَ لَهُ الْوَلَدُ مِنْهُمْ فَلَمّا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ صَارَ مُفَوّتًا لِنَسَبِهِ عَنْ صَاحِبَيْهِ فَأُجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى إتْلَافِ الْوَلَدِ وَنَزَلَ الثّلَاثَةُ مَنْزِلَةَ أَبٍ وَاحِدٍ فَحِصّةُ الْمُتْلِفِ مِنْهُ ثُلْثُ الدّيَةِ إذْ قَدْ عَادَ الْوَلَدُ لَهُ فَيَغْرَمُ لِكُلّ مِنْ صَاحِبَيْهِ مَا يَخُصّهُ وَهُوَ ثُلْثُ الدّيَةِ. وَوَجْهٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنّهُ لَمّا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمَا بِوَطْئِهِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ شَرْعًا هِيَ دِيَتُهُ فَلَزِمَهُ لَهُمَا ثُلْثَا قِيمَتِهِ وَهِيَ ثُلْثَا الدّيَةِ وَصَارَ هَذَا كَمَنَ أَتْلَفَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَهُ فَإِنّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلْثَا الْقِيمَةِ لِشَرِيكَيْهِ فَإِتْلَافُ الْوَلَدِ الْحُرّ عَلَيْهِمَا بِحُكْمِ الْقُرْعَةِ كَإِتْلَافِ الرّقِيقِ الّذِي بَيْنَهُمْ. قِيمَةَ أَوْلَادِهِ لِسَيّدِ الْأَمَةِ لَمّا فَاتَ رِقّهُمْ عَلَى السّيّدِ لِحُرّيّتِهِمْ وَكَانُوا بِصَدَدِ أَنْ يَكُونُوا أَرِقّاءَ وَهَذَا أَلْطَفُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِيَاسِ وَأَدَقّهُ وَأَنْتَ إذَا تَأَمّلْتَ كَثِيرًا مِنْ أَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ وَتَشْبِيهَاتِهِمْ وَجَدْت هَذَا أَقْوَى مِنْهَا وَأَلْطَفَ مَسْلَكًا وَأَدَقّ مَأْخَذًا وَلَمْ يَضْحَكْ مِنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُدًى. وَقَدْ يُقَالُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الْقَافَةِ بَلْ إنْ وُجِدَتْ الْقَافَةُ تَعَيّنَ الْعَمَلُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ تَعَيّنُ الْعَمَلِ بِهَذَا الطّرِيقِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْوَلَدِ مَنْ أَحَقّ بِهِ فِي الْحَضَانَةِ:

رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءٌ وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءٌ وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءٌ وَإِنّ أَبَاهُ طَلّقَنِي فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنّي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْتِ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي. وَفِي الصّحِيحَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنّ ابْنَةَ حَمْزَةَ اخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ. فَقَالَ عَلِيّ أَنَا أَحَقّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمّي وَقَالَ جَعْفَرٌ ابْنَةُ عَمّي وَخَالَتُهَا تَحْتِيّ وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمّ. أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمّهِ. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَهْلُ السّنَنِ أَيْضًا: عَنْهُ أَنّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَهِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ زَوْجُهَا مَنْ يُحَاقّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمّكَ وَخُذْ بِيَدِ أَيّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. قَالَ التّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي سُنَنِ النّسَائِيّ: عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ جَدّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ فَجَاءَ بِابْنِ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ قَالَ فَأَجْلَسَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَبَ هَاهُنَا وَالْأُمّ هَاهُنَا ثُمّ خَيّرَهُ وَقَالَ اللّهُمّ اهْدِهِ فَذَهَبَ إلَى أَبِيهِ. أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ وَقَالَ أَخْبَرَنِي جَدّي رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ أَنّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ فَأَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهَهُ وَقَالَ رَافِعٌ ابْنَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اُقْعُدْ نَاحِيَةً وَقَالَ لَهَا: اُقْعُدِي نَاحِيَةً فَأَقْعَدَ الصّبِيّةَ بَيْنَهُمَا ثُمّ قَالَ اُدْعُوَاهَا فَمَالَتْ إلَى أُمّهَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا.

.فَصْلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ:

سُقُوطُ الْحَضَانَةِ بِالتّزْوِيجِ:
أَمّا الْحَدِيثُ الْأَوّلُ فَهُوَ حَدِيثٌ احْتَاجَ النّاسُ فِيهِ إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَلَمْ يَجِدُوا بُدّا مِنْ الِاحْتِجَاجِ هُنَا بِهِ وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَدِيثٌ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالتّزْوِيجِ غَيْرَ هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ صَرّحَ بِأَنّ الْجِدّ هُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ لَعَلّهُ مُحَمّدٌ وَالِدُ شُعَيْبٍ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَقَدْ صَحّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدّهِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّهُ مُنْقَطِعٌ وَقَدْ احْتَجّ بِهِ الْبُخَارِيّ خَارِجَ صَحِيحِهِ وَنَصّ عَلَى صِحّةِ حَدِيثِهِ وَقَالَ كَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ الْحُمَيْدِيّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ يَحْتَجّونَ بِحَدِيثِهِ فَمَنْ النّاسُ بَعْدَهُمْ؟ هَذَا لَفْظُهُ. وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: هُوَ عِنْدَنَا كَأَيّوبِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَحَكَى الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ الِاتّفَاقَ عَلَى صِحّةِ حَدِيثِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: لَا يُخْتَلَفُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ أَنّهَا صَحِيحَةٌ. وَقَوْلُهَا: كَانَ بَطْنِي وِعَاءً إلَى آخِرِهِ إدْلَاءٌ مِنْهَا وَتَوَسّلٌ إلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ كَمَا اخْتَصّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثّلَاثَةِ وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ فَنَبّهَتْ وَالْمُخَاصَمَةِ.

.اعْتِبَارُ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَتَأْثِيرُهَا فِي الْأَحْكَامِ:

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَإِنَاطَتِهَا بِهَا وَأَنّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرّ فِي الْفِطَرِ السّلِيمَةِ حَتّى فِطَرِ النّسَاءِ وَهَذَا الْوَصْفُ الّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرّرَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عُقَيْبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنّهُ سَبَبُهُ.

.الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ:

وَاسْتُدِلّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إنّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً أَفْتَاهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا وَإِلّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزّوْجِ إنّهُ طَلّقَهَا حَتّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرّدِ قَوْلِهَا.

.فصل الْأُمّ أَحَقّ بِالْوَلَدِ مِنْ الْأَبِ:

وَدَلّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنّهُ إذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَالْأُمّ أَحَقّ بِهِ مِنْ الْأَبِ مَا لَمْ يَقُمْ بِالْأُمّ مَا يَمْنَعُ تَقْدِيمَهَا أَوْ بِالْوَلَدِ وَصْفٌ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ وَهَذَا مَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ نِزَاعٌ وَقَدْ قَضَى بِهِ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. فَلَمّا وَلِيَ عُمَرُ قَضَى بِمِثْلِهِ فَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنّهُ قَالَ سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمّدٍ يَقُولُ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ ثُمّ إنّ عُمَرَ فَارَقَهَا فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءَ فَوَجَدَ ابْنَهُ عَاصِمًا يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدّابّةِ فَأَدْرَكَتْهُ جَدّةُ الْغُلَامِ فَنَازَعَتْهُ إيّاهُ حَتّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصّدِيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ عُمَرُ: ابْنِي. وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ ابْنِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ خَلّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: هَذَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتّصِلَةٍ تَلَقّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ وَزَوْجَةُ عُمَرَ أُمّ ابْنِهِ عَاصِمٍ هِيَ جَمِيلَةُ ابْنَةُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيّ. قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ عُمَرَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنّهُ سَلّمَ لِلْقَضَاءِ مِمّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْإِمْضَاءُ ثُمّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي وَلَمْ يُخَالِفْ أَبَا بَكْرٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصّبِيّ صَغِيرًا لَا يُمَيّزُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصّحَابَةِ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ طَلّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيّةَ أُمّ ابْنِهِ عَاصِمٍ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمُحَسّرِ وَقَدْ فُطِمَ وَمَشَى فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا وَنَازَعَهَا إيّاهُ حَتّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ وَبَكَى وَقَالَ أَنَا أَحَقّ بِابْنِي مِنْك فَاخْتَصَمَا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى لَهَا بِهِ وَقَالَ رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا وَحِجْرُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْك حَتّى يَشُبّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَمُحَسّرٌ: سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ. وَذُكِرَ عَنْ الثّوْرِيّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ خَاصَمَتْ امْرَأَةُ عُمَرَ عُمَرَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُنّ وَكَانَ طَلّقَهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الْأُمّ أَعْطَفُ وَأَلْطَفُ وَأَرْحَمُ وَأَحْنَى وَأَرْأَفُ هِيَ أَحَقّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوّجْ. الْأُمّ أَعْطَفُ وَأَلْطَفُ وَأَرْحَمُ وَأَحْنَى وَأَرْأَفُ هِيَ أَحَقّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوّجْ وَذُكِرَ عَنْ مُعَمّرٍ قَالَ سَمِعْتُ الزّهْرِيّ يَقُولُ إنّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عَلَى عُمَرَ فِي ابْنِهِ مَعَ أُمّهِ وَقَالَ أَمّهُ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوّجْ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ هَلْ كَانَتْ الْمُنَازَعَةُ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمّ وَاحِدَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ إحْدَاهُمَا. قِيلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ لِأَنّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْأُمّ فَوَاضِحٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْجَدّةِ فَقَضَاءُ الصّدّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَهَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْأُمّ أَوْلَى.

.فصل يُقَدّمُ الْأَبُ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالنّكَاحِ وَتُقَدّمُ الْأُمّ فِي وِلَايَةِ الْحَضَانَةِ وَالرّضَاعِ:

وَالْوِلَايَةُ عَلَى الطّفْلِ نَوْعَانِ نَوْعٌ يُقَدّمُ فِيهِ الْأَبُ عَلَى الْأُمّ وَمَنْ فِي جِهَتِهَا وَهِيَ وِلَايَةُ الْمَالِ وَالنّكَاحِ وَنَوْعٌ تُقَدّمُ فِيهِ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ وَهِيَ وِلَايَةُ الْحَضَانَةِ وَالرّضَاعِ وَقُدّمَ كُلّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ فِيمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِتَمَامِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَتُوقَفُ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْ أَبَوَيْهِ وَتَحْصُلُ بِهِ كِفَايَتُهُ. وَلَمّا كَانَ النّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتّرْبِيَةِ وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا وَأَصْبَرَ وَأَرْأَفَ وَأَفْرَغَ لَهَا لِذَلِكَ قُدّمَتْ الْأُمّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمّا كَانَ الرّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ قُدّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمّ فَتَقْدِيمُ الْأُمّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَطْفَالِ وَالنّظَرُ لَهُمْ وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتّزْوِيجِ كَذَلِكَ.

.هَلْ يُقَدّمُ أَقَارِبُ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْحَضَانَةِ؟

إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَلْ قُدّمَتْ الْأُمّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوّةِ فِي الْحَضَانَةِ فَقُدّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ أَوْ قُدّمَتْ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِ النّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ الْحَضَانَةِ وَالتّرْبِيَةِ مِنْ الذّكُورِ فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنّاسِ قَوْلَانِ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ أَوْ بِالْعَكْسِ كَأُمّ الْأُمّ وَأُمّ الْأَبِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ وَالْخَالَةِ وَالْعَمّةِ وَخَالَةِ الْأُمّ وَخَالَةِ الْأَبِ وَمَنْ يُدْلِي مِنْ الْخَالَاتِ وَالْعَمّاتِ بِأُمّ وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنّ بِأَبٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إحْدَاهُمَا تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ.
وَالثّانِيَةُ وَهِيَ أَصَحّ دَلِيلًا وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ وَهَذَا هُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ وَأَحَقّ مِنْ الْخَالَةِ وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ خَالَةِ الْأُمّ وَعَلَى هَذَا فَأُمّ الْأَبِ مُقَدّمَةٌ عَلَى أُمّ الْأُمّ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.

.هَلْ لِأَقَارِبِ الْأُمّ مِنْ الرّجَالِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ:

وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ فَأَقَارِبُ الْأَبِ مِنْ الرّجَالِ مُقَدّمُونَ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأَخِ لِلْأُمّ وَالْعَمّ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ هَذَا إنْ قُلْنَا: إنّ لِأَقَارِبِ الْأُمّ مِنْ الرّجَالِ مَدْخَلًا فِي الْحَضَانَةِ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ:
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَا حَضَانَةَ إلّا لِرَجُلِ مِنْ الْعَصَبَةِ مَحْرَمٌ أَوْ لِامْرَأَةِ وَارِثَةٍ أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةِ أَوْ وَارِثٍ.

.التّدْلِيلُ عَلَى تَقْدِيمِ جِهَةِ الْأُبُوّةِ فِي الْحَضَانَةِ:

وَالثّانِي: أَنّ لَهُمْ الْحَضَانَةَ وَالتّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى رُجْحَانِ جِهَةِ الْأُبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ وَأَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى لَا لِتَقْدِيمِ جِهَتِهَا إذْ لَوْ كَانَ جِهَتُهَا رَاجِحَةً لَتَرَجّحَ رِجَالُهَا وَنِسَاؤُهَا عَلَى الرّجَالِ وَالنّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَلَمّا لَمْ يَتَرَجّحْ رِجَالُهَا اتّفَاقًا فَكَذَلِكَ النّسَاءُ وَمَا الْفَرْقُ الْمُؤَثّرُ؟ وَأَيْضًا فَإِنّ أُصُولَ الشّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ شَاهِدَةٌ بِتَقْدِيمِ أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ وَوِلَايَةِ النّكَاحِ وَوِلَايَةِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشّرْعِ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَمَنْ قَدّمَهَا فِي الْحَضَانَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الدّلِيلِ.